ابن أبي الحديد
330
شرح نهج البلاغة
هو محمول قسرا وقهرا على عبورها ، يسوقه سائق عنيف ، غاية الجهل والخذلان . وفي الحديث المرفوع : ( أن رسول الله صلى الله عليه وآله مر على شاة ميتة ، فقال : أترون أن هذه الشاة هينه على أهلها : قالوا : نعم ، ومن هوانها ألقوها ، فقال : والذي نفسي بيده للدنيا أهون على الله من هذه الشاة على أهلها ، ولو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضه لما سقى كافرا منها شربة ماء ) . وقال صلى الله عليه وآله : ( الدنيا سجن المؤمن ، وجنة الكافر ) . وقال أيضا : ( الدنيا ملعونة ، ملعون ما فيها ، إلا ما كان لله منها ) . وقال أيضا : ( من أحب دنياه أضر بآخرته ، ومن أحب آخرته أضر بدنياه ، فآثروا ما يبقى على ما يفنى ) . وقال أيضا : ( حب الدنيا رأس كل خطيئة ) . وروى زيد بن أرقم قال : كنا مع أبي بكر ، فدعا بشراب ، فأتى بماء وعسل ، فلما أدناه من فيه بكى حتى أبكى أصحابه ، فسكتوا وما سكت ، ثم عاد ليشرب ، فبكى حتى ظنوا إنهم لا يقدرون على مسألته ، ثم مسح عينيه ، فقالوا : يا خليفة رسول الله ، ما أبكاك ؟ قال : كنت مع رسول الله صلى الله عليه وآله فرأيته يدفع بيده عن نفسه شيئا ، ولم أر معه أحدا ، فقلت : يا رسول الله ، ما الذي تدفع عن نفسك ؟ قال : هذه الدنيا مثلت لي ، فقلت لها : إليك عنى فرجعت وقالت : إنك إن أفلت منى لم يفلت منى من بعدك . وقال صلى الله عليه وآله : ( يا عجبا كل العجب للمصدق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور ! ) . ومن الكلام المأثور عن عيسى عليه السلام : لا تتخذوا الدنيا ربا فتتخذكم الدنيا عبيدا ، فاكنزوا كنزكم عند من لا يضيعه ، فإن صاحب كنز الدنيا يخاف عليه الآفة ، وصاحب كنز الآخرة لا يخاف عليه .